السبت، 29 أبريل 2017

ميتتان لرجل واحد



"
جواكيم  سواريس دا كونيا" يعيش إلى حدود الخمسين من عمره ضمن الإطار، رجلا مطيعا ورب أسرة محترما وأبا جيدا وموظفا مثاليا. إذن هو يستحق الاحترام.
   لكن بمجرد خروجه عن النمط وتجواله مع مجموعة من الأشخاص البُسطاء، أصبح ميتاً بالنسبة لأهله... بكل بساطة مات وهوحي بمجرد أن غيّر أفكاره ومبادئه...وهنا الموتة الأولى
  جواكيم يفاجئ الكل و يهجر العائلة والبيت ومعارفه القدامى ويخلع عن ظهره عادات حياة بأكملها، ليتشرد في الشوارع ويسكر في الحانات الرخيصة، ويمارس الدعارة، مقضيا السنوات العشر الأخيرة من حياته في قلب العالم السفلي صعلوكا من أعتى صعاليك المدينة وقائدا فذا للسكارى والمشردين  يعرفه الجميع باسم "كينكاس هدير الماء" إلى أن يموت في غرفة بائسة... وهنا الموتة الثانية.
في اللحظة التي يُعلن فيها خبر وفاته يبدأ الصراع  بين العائلة من جهة وأصدقاء الميت من جهة ثانية.
هنا يتدخل خيال أمادو..
  يعود كينكاس  للحياة  بفضل ثلة الأصدقاء،  يطوفون به أرجاء المدينة ويحتفلون  على ظهر سفينة حيث اختار كينكاس طريقة موته النهائية رافضا الدفن في قبر يقيّده.
هذه هي  رواية أمادو بشكل جد موجز.
****
ماذا أراد أن يقوله لنا أمادو في "ميتتان لرجل واحد"؟؟
كم عدد الأحياء منا في هذه الحياة؟
كم منّا تبرع بحلمه من أجل صورة زائفة؟
 كم منّا أراد أن يقفز فرحا ولكنه سرعان ما انثنى حتى لا يخل بالحياء العام؟
 كم منّا أراد أن يتخذ طريقا في حياته وعدل عنه لأن الأب أو الخالة أو العمة يريدونه محاميا لا طبيبا، طبيبا لا رسّاما، صحفيا لا راقصا.؟
هذا ما أراده أمادو، أن نصغي إلى ذواتنا ومثّل لنا ذلك في "كينكاس" الذي لبى نداء الرحيل الساكن فيه وضرب عرض الحائط بالمظهر الزائف الذي شنق الإنساني فينا.
****
 ليست رواية "ميتتان لرجل واحد" مجرد سرد ليوميات الصعلكة والمجون بل لفت أنظار كل قارئ نحو الـــ
"كيناكس" الراقد بداخله.  ففي كلِ منا يرقد "كينكاس" ما مختلف عن الآخر مثل بصمة اليد ولكننا نقدمه قربانا للمشترك والمتداول والمكرور، ونطمس البصمة، نغمسها في الجمر ونحن نئن من أجل الصورة.
   إنها انتصار للحياة مقابل الموت، للذات  إزاء القوالب الجاهزة التي تحاصرها وتمنحها شكل كل يوم، للهامش الخلفي في وجه الواجهة الكاذبة، للانسان هذا الكائن الهش وقد ظل كرة تتقاذفها أرجل الأعراف والتقاليد والعائلة والمدرسة وموظفو الله وحرّاس النوايا الذين يشاركونه علمه بما في الصدور ويقتلون باسمه ويغسلون الأذهان باسمه ويقطعون طرق الرحمة باسمه...
   في نهاية الرواية نكتشف أن بداخل كل منا ثمة  كينكاس وجواكيم...لكل منّا "كينكاسه" الخاص، كينكاس الممثل للبصمة الخاصة بنا، جوهرنا  إلا اننا انصياعا  للسائد والعرف والمجتمع النمطي قبعنا في ثوب جواكيم، وطمسنا البصمة والجوهر.
****
"سأدفن كما أشتهي، في الساعة التي أشتهي، يمكنكم أن تحفظوا تابوتكم إذن لميتة جديدة وميت جديد، أما أنا فلن أترك لأحد أن يحبسني في قبر أرضي رذيل".
بهذه الكلمات انهي امادو روايته علي لسان كينكاس  الذي اختار الحاق العار بعائلته مقابل سعادته فأختار حياة التشرد مقابل حياته الهادئه الزائفه في نظره.
كان بوسع أمادو أن يقول ببساطة انك إذا لم تحيا كما تريد فأنت ميت، ولكنه اختار بث الحياة في بطل ميت انتصارا  للتخييل والحكي معا ضد القول المباشر. فأن تتخيل ميتا يبتسم ابتسامته الساخرة مم مضى ومما هو آت ليس بمقدور أي واحد منا أن يقوم بهكذا عمل.
أخيرا: "ان الحياة لا تفهم إلا من خلال ما يُروى عنها" هكذا قال أمادو في روايته هذه، مثلما قال قبله بول ريكور "إن الحياة لا تُفهمم  إلا من خلال القصص التي تُروى عنها".
 الحياة هذه مجرد مادة خام، محض "حياة بيولوجية" كما يقول ريكور، وحده القص من يجعل لها معنى. فأحرى بالواحد منا أن يصم أذنيه قليلا ويصغي مرة واحدة لما يريد؟ ذاك ما تريد هذه الرواية أن تقوله لنا 

0 التعليقات: